اول مجلة صحراوية مستقلة تأسست 1999

مجلة المستقبل الصحراوي

إعترافات مناضل، الجزء الثاني. للكاتب : مصطفى عبد الدايم.

كتب بواسطة : futurosahara on 24‏/02‏/2015 | الثلاثاء, فبراير 24, 2015

في الجزء الأول من إعترافات مناضل توقفت عند سؤال المستقبل الذي لم يعد سؤالا ملحا فقط ، بل أصبح سؤالا موجعا ،مادام يكشف عن فشل " سياسات " تربية الأمل ، ويعرى حقيقة أن أسباب الصمود ماهي إلا خرائط لتطويع الفراغ وتطويق الغضب  من جهة ، ومن جهة أخرى التآمر " السياسي " مع أزمنة " إطالة أمد الصراع " لمراكمة المزيد من الثروة وحصد المصالح والامتيازات للورثة والبطانة .       

  إن رفع الاحتراس خشية الاستمرار في التآمر على المستقبل عبر تشييد أحلام بدأت تتآكل تحت وطأة الآفات " السياسية "المتكررة ، مبرره ربما الإصطدام الفجائي ذات قراءة لأبيات الشاعرة الروسية  ( آنا أخماتوفا ) : ( لا ليس أنا ، إنه غيري من يتألم /مثل هذا الألم ما كان في طاقتي واحتمالي ) ، إن هذا الشعور بألم ( الغير /الآخر ) والذي يعني (الغد/ المستقبل) ليس محاولة لتطويع الألم من أجل معرفته وتسميته ، ولكن وبالأساس السعي للإفلات من ( فخ الأنا المكتفية بدواعيها والمحتفية بأسبابها). 

    لقد حل موجب السؤال عن المستقبل من أجل اجتراح هذه اللحظة المطمورة بمئات الشعارات ، والتي تتطلب منا جميعا( انقلابا في الوعي ، وتحولا معينا في الرؤية ) ، وعليه ألم يصبح لزاما مواجهة ما نعيشه من " إختناق سياسي " والإبتعاد السريع عن دائرة ( إجترار الرسمي )  ؟ وذلك بامتلاك شجاعة التصريح أنه لا ( مستقبل للصحراويين في ظل هذا الطغيان المتزايد للإنتماء للقبيلة بدل الإنتماء للوطن ، وفي ظل هذا الإفساح السياسي للتعبير  "الاستقوائي " بالولاء للقبيلة وليس الولاء للدولة ، وفوق هذا يبقى الخطير هو هذا البروز القوي واللافت لحضور القبيلة ضمن مؤسسات الدولة ، والأخطر هو شرعنة هذا الحضور في مؤسسات الدولة والترويج له باعتباره من ضمن مؤسسات الوطن ).

      وعليه هل مازال من الصائب الحديث عن دولة صحراوية ، لأن ( الحديث عن الدولة لا يستقيم إلا في ظل الإنهيار التام للنظام القبلي التقليدي ) ، هذا الإنهيار الذي يستحيل أن يتحقق مادامت الدولة الصحراوية ومنذ النشأة (  بلورت وجودها بالعمل على استيعاب الزعامات المحلية  ، وتعزيز سلطتها القبلية  لاستدراجها للقبول بالحياة في إطار سلطة مركزية ) ، وبمعنى أوضح أن الدولة الصحراوية التيل (  لم تكن ولادتها ولادة طبيعية على أنقاض المجتمع القبلي التقليدي الصحراوي ، أوجدت نفسها قسرا وليس وفق صيرورة تاريخية ) ، لذلك كان واجب وجودها الحفاظ على النظام القبلي التقليدي الذي بدونه لا يمكن تحقيق إجماع وطني مستعجل سيظل محكوما بذهنيات لم تعرف أي وجود تاريخي فعلي للسلطة ، وتربت على هذا النزوع الفطري للخضوع للروابط القبلية ورفض السلطة .

     وتأكيدا لما سبق ، أذكر أني قد كتبت في مقال سابق أن ( القبيلة تقوت وتسيدت ) ليس لأن الدولة الصحراوية لم تمتلك ( الإرادة السياسية ) ، بل لأن الدولة الصحراوية  ( دولة ريعية  )  تقوم على  ( سياسة المحاصصة وتقوية التوازنات ) ، وتعتمد في بسط سلطتها المركزية بالقيام بدورها الأساسي والمتمثل في ( التمسك بالقبيلة كوحدة للتنظيم السياسي وتوزيع المنافع والمكاسب ) .

      مثل هذا الوضع الذي قد يبدو للبعض مهددا للدولة  ، هو في الواقع ضامن وجودها لأنه بالإضافة إلى كونه يسهل عليها – أي الدولة –  الإستثمار السياسي للصدامات القبلية ، فهو يعفيها من القيام بدوها المجتمعي ويمنحها فرص التخلص من كل مسؤولياتها ، فكل المشاكل تحل عبر ( تسويات قبلية ) دونما أي حاجة للجوء للقضاء ، وطبعا خارج نطاق القانون ، وبعيدا عن  النصوص الدستورية . ومن نتائج هذا الوضع الإستكانة  ( لراحة  سياسية  ) تفتح شهية  للحكام لمراكمة الثروة ، وتعطيل التفكير في تطوير مؤسسات الدولة .

       لذلك مخطئ من يعتقد أن الدولة الصحراوية  ( قادرة على إخضاع جميع مواطنيها ودون تمييز للإلتزامات القانونية والدستورية راهنا أو مستقبلا ) ، لأن كل مؤسسات الدولة الصحراوية (  محكومة في عملها بتقديس وتقديم الولاء للقبيلة على الولاء للدولة ) ، وبما أن القبيلة هي المتحكم في كل مؤسسات الدولة ، وبما أنها – أي القبيلة- تقوم في جوهرها على تراتبية صارمة فإن الإعتقاد في إمكانية نشوء ديمقراطية حقيقية ضرب من الخيال وإلغاء لواقع قبلي قوي ومتجذر . وعلى سبيل المثال فقضية العبيد لا يمكن للدولة الصحراوية الحسم فيها والتخلص النهائي منها والقضاء عليها ، لأنها بذلك ستكون في مواجهة القبيلة  المشرعنة لهذه التراتبية .

     والخلاصة أن دولة تتمكن منها القبلية بهذا الشكل وتنتشر في كل مؤسساتها من المستحيل أن تتحقق فيها المواطنة الحقة ، ومن المستحيل في واقع حمايتها  لهذه التراتبية ( أسياد ..عبيد .. حراطين " العبيد المحررين ..) ، أن نتمكن من الحديث عن مساواة بين المواطنين الصحراويين .

                                                                                                                              يتبع

الاكثر قراءة في الموقع