اول مجلة صحراوية مستقلة تأسست 1999

مجلة المستقبل الصحراوي

مجلة المستقبل الصحراوي

المقاربة الأمنية للبوليساريو بين المنطق والفنتازيا

كتب بواسطة : futurosahara on 10‏/01‏/2012 | الثلاثاء, يناير 10, 2012



بقلم : ميشان إبراهيم أعلاتي 
في خطوة مفاجئة عكفت القوة الأمنية للتابعة للنظام الصحراوي بالهجوم ليلا و بشكل غادر على مخيم المعتصمين امام الكتابة العامة من أجل تفكيكه وغبره من الوجود، الخطوة المفاجئة و المخيبة للأمال تعيد الذاكرة إلى سنوات الجمر و القمع التي كنا نظن و إلى وقت قريب أنها ولت دون رجعة، لأن منطق الغصب والإكراه و الإختطافات و التصفية الجسدية كلها أمور لم يعد له قائمة مع تبلور الثورة التكنولوجية و ولوجنا إلى عالم الا إحتكار لمنطق القرار، غير أن عودة المقاربة الأمنية التي يتفنن العدو المغربي وبإمتياز في إنتهاجها ضد الإنتفاضة السلمية بالمناطق المحتلة ـ انعيبو عدونا و نحن عيبنا مالينا ـ تدعو إلى فتح الباب أمام العديد من التساؤلات بغض النظر عن صحة ما أقدم عليه الشباب المحتجين، وهي الأسئلة التي سنحاول إستشراف الإجابة عليها في هذا المقال.
ـ عود على بدأ ..
إن المتتبع لحراك الشباب الصحراوي المطالب بالإصلاح و التغيير يدرك للوهلة أنهم إنتهجوا ومنذ البداية الطريقة السلمية في مطالبهم عبر عدة مراحل وبالتدرج، فقد كانت البداية بتاريخ 5 مارس بالمظاهرات السلمية ثم المناشير ثم الإحتجاج في وجه أصحاب القرار ليتطور الأمر و بأيام قليلة قبل بداية المؤتمر 13 إلى الإعتصام أمام الكتابة العامة، وما يلاحظ في المقابل هو تجاهل السلطة الأبوية للشباب وهي قيادة البوليساريو لتلك المطالب و إنتهاجها لسياسة التغزيم والهروب نحو المجهول، ومع إنتهاء المؤتمر13  دون الخروج بنتائج مرضية تكون في مستوى الطموحات صعد الشباب من مطالبه ليرفع شعار الرحيل بعد أن كان يرفع شعارات الإصلاح و أخرى ضد الفساد ..
ومن هنا فإن هذه المطالب ليست بدوافع خبزية أو محاولة للإسترزاق ـ مطالب مصلحجية ـ بقدر ما كانت من أجل المطالبة بضرورة الإسراع في تطبيق سياسة الإصلاح الشامل للنظام السياسي الصحراوي الذي تأكل بحكم الركود و كذا التغيير على مستوى الذهنيات و آليات التسيير داخل المؤسسات الوطنية التي تحولت إلى مستثمرات خاصة .
ـ الدواعي والأخطاء ..
كتب خليل سيومي في مقال بعنوان  " المقاربة الأمنية .. الدواعي والاخطاء" أن تبرير المقاربة الأمنية يعتمد على فكرة الأمن وحماية المواطن  والملكية، فقرار التدخل الأمني لفض مسيرة يتم تبريره على المستوى الظاهر بالرغبة في ضمان الأمن وحماية الممتلكات  والحفاظ  على السير العام  للحياة الإجتماعية، وسواء كانت  المسيرات الإحتجاجية قامت حقا بإرتكاب نقيض ما يقول الأمن أنه قام بالمحافظة عليه أو لا فإن كل تدخل أمني له هذه المبررات، لكن على المستوى الثاني ، على المستوى الأعمق  ، تعمل الأسباب الحقيقية للتدخل الأمني والتي يكون لها أبعاد رمزية شعورية ولا شعورية  …
ور بما يتبادر السؤال كيف يتم ذلك ؟؟؟.
عن هذا السؤال يجيب نفس الكاتب بقوله إن الغاية من وراء لحظة التدخل الأمني هي خلق حالة نفسية  عند المشارك في الإحتجاج وعند من يشهد التدخل الأمني، وإطار الحالة النفسية هو الخوف مع توفرها على الكثير من التفاصيل النفسية الثانوية المتناقضة، وكلما كان التدخل عنيفا  كلما تم إعتقاد أجهزة الأمن بأن الخوف سيكون شديدا …
فالمقاربة الأمنية غايتها الأكيدة هي تصدير حالة نفسية تقوم بإنتاج فعل يتمثل في عدم القيام بما يستدعي تدخل أجهزة الأمن ، لهذا كانت الدول التي تعتمد على التدخل الأمني والقمع  تضمن شيء من الهدوء و  السكون، لكن التاريخ يثبت لنا أنه سكون مؤقت حتى  وإن طال، لأن طبيعة النفس البشرية تثور على كل الحالات النفسية التي تجعلها مستعبدة .
ومن هنا نسأل إن كان مبرر التدخل الأمني لفض أي مسيرة أو إحتجاج يتم تبريره بناء على الرغبة في ضمان الأمن وحماية الممتلكات  والحفاظ  على السير العام  للحياة الإجتماعية ؟ فماهي المبررات التي أدت بالبوليساريو للدفع بقوة عسكرية تتكون من 50 جندي لمهاجمة وبشكل مباغت و غادر 3 أفراد عزل لا يشكلون خطر لا على الأمن العام ولا على الممتلكات الشخصية و العامة، و لم يعطلوا طيلة اعتصامهم السير العام للحياة الإجتماعية و السياسية؟؟؟، نترك الإجابة على هذا السؤال لكل من جلالة الرئيس محمد عبد العزيز و وزير داخليته و والي الرابوني و مدير الأمن الوطني و مدير الدرك الوطني ؟؟؟ 
ـ مفارقات التاريخ ما بين 1988 و 2012 .. 
الحقيقة أن قيادة البوليساريو لديها تراث قديم في مجال المقاربات الأمنية تجلت أساسا في عمليات قمع الإحتجاجات و الإختفاء القسري والتصفيات الجسدية التي حدثت في سراديب معتقل "الرشيد" و"اعظيم الريح" خاصة إبان سنوات الثمانيات ولن نخوض في تلك التفاصيل لأنها وحدها تحتاج لألاف الألفة من الكتب و المجلدات، وأعتقد أن العملية الأخيرة ما هي إلا نسخة معدلة قليلا لأحداث 1988، ربما الفرق الوحيد هو أن تلك الإحتجاجات أنذاك كانت بمثابة صراع قيادات لتقسيم كعكة سلطة وهمية على ورق سراب و وطن على مفوضات أممية!! والتي أتضح مع الوقت أنها مفاوضات عبثية !!؟؟ كان أهم ثمارها تفكيك عصمة الوحدة الوطنية ليتصدع ‹‹ أعْصَامها ›› لتبدأ وتنطلق من تلك اللحظة المقاربة القبليوـ مصلحجية !! في التوهين !!؟؟ كحقوق محفوظة الطبع للقيادة الصحراوية بكل جدارة و إستحقاق .
ومن هنا ظهرت الطبعة المعدلة ل 1988 في تخريجتها الجديدة 2012 بنفس البلطجية و لكنها تستهدف كل من يطالب بالإصلاح و التغيير، وبالتالي يكون نظامنا قد جرّ نفسه ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ الى المواجهة و الإصطدام بشبابه !!  بدل الدخول في حوار جدي وصريح من أجل إحتواء الشباب الذي يعتبر عصب الدولة و سندها .. 
و لكم أن تتصوروا !! أن تكون هذه " المقاربة الأمنية " أولى نتائج فشل المؤتمر في إيجاد " مقاربة وطنية " !! ليكون خيار " التصعيد " نحو الداخل هو عنوان المرحلة بعد أن عجزنا سياسويا عن جعل هذا " التصعيد " موجه صوب الإحتلال !! وها هو أضحى وجهة الذات !!، وبعد وحل الإبتزازات القبليوـ مصلحجية !! نضيف ملفات حقوق الإنسان لنوفر جهود المحتلين في التوهين !!؟؟ واعتقد ان استخدام القوة بهذا الشكل المفرط دون مبرر ضد الأبرياء العزل يخدم العدو بشكل فعلي من خلال التأكيد ميدانيا على دعايته المغرضة في القمع الممنهج الذي يتهم به الجبهة منذ بداية إحتلاله للصحراء الغربية. 
ومن الغريب جدا أن تكون هذه " المقاربة " أولى النتائج التي تخرج بها وزارة الداخلية ـ وما أدراك ما وزارة الداخلية ـ بعد تعيين وزيرها الجديد وهو المثقف والملم والمدرك للقانون الدولي و الإنساني بما فيه منظومة حقوق الإنسان بحزمتها التي تجرم المس بحرية التعبير و حرية الأشخاص و سلامتهم الجسدية، و" إلى عاد هذا أولها الا مولانا يحكم فعقابها " .. في المقابل لا يمكن أن تتخذ مثل هذه الخطوة " الجريئة " و " الفنتازية " دون علم وإذن مسبق من جلالة الرئيس الصحراوي الذي يشرف شخصيا على كل كبير و صغيرة حتى و إن كان هو شخصيا خارج لحمادة، وجل ما نخشاه أن يكون رئيسنا عند عودته كالأطرش في الزفة مثله مثل الرئيس السوري بشار الأسد الذي سألته صحفية قناة السي أن أن الأمريكية خلال مقابلة صحفية عن الجرائم المرتكبة في حق المدنين العزل ببلاده فقال و ببلاهة و سذاجة " ماذا يحدث "؟؟؟ وكأنه كان خارج مجال التغطية ‼‼
ـ الفنتازيا والا منطق .. 
ومن هنا فإن الخطوة الغير مبررة ولا منطقية ـ المقاربة الأمنية للبوليساريو ـ تأتي في الوقت الذي إنتظر الكثيرين أن تقوم القيادة الصحراوية بخطوات جدية في الإصلاح و التغيير نحو الأفضل و ليس بالضرورة تغيير الاشخاص ما داموا مصرين على البقاء في الكراسي دون تقديم أي نتائج تذكر لصالح القضية الوطنية تشفع لهم وتمنحهم إحترام الشعب، وذلك على الأقل من باب مسايرتها للتطورات الإقليمية و الدولية التي مست مختلف الدول من خلال تبني جملة إصلاحات سياسية و خير دليلة الحليف الجزائري الذي تتغنى به السلطة الصحراوية بمناسبة و غير مناسبة . 
إلا أن العكس هو الذي حدث وتم اللجوء إلى هذا الأسلوب الإستعراضي و الفنتازي ـ القوة و العنف ـ مما يعني التأكيد و الدلالة على الإفلاس السياسي و الأخلاقي للقيادة ؟؟؟ أي عجز الحكومة الصحراوية عن الارتقاء بمفهوم هيبة الدولة من التعاطي الأمني مع الأحداث، إلى مستوى الحوار البناء لمعالجة القضايا السياسية والاجتماعية، والتزام القانون واحترام الحريات وحقوق المواطنين بما فيها حرية التعبير و الإحتجاج السلمي .
وربما غاب عن قيادتنا " الرشيدة و الحكيمة " وهي تخطط وتنفذ لهذا الفعل الغادر أن البطل المهاتما غاندي حرر الهند بوضع المقاربة الأمنية في الإحراج، لأنه إستطاع أن يقنع بسلميته صاحب العصى ـ القوة الأمنية ـ من خلال التأكيد على أن الضرب لن يغير من الإرادة شيء ، بل دائما ما تضيف هذه المقاربة إلى جانب المحتج محتجين آخرين لأن رؤية مشهد الدم  والإذلال الجسدي تؤدي إلى غير المراد منها عندما تكون شروط إنتاج الواقع تشبه هذه الشروط التي يشهدها العالم العربي في ظل التغيير الحتمي، و لهذا تظل المقاربة الأمنية وعلى مر التاريخ قاصرة في التعامل مع من يواجهها سلميا ..
الأن وبعد كل الذي حدث باتت الأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها الدخول في حرب داخلية قبلية على شاكلة " داحس والغبراء " على الطريقة الصحراوية، وجل ما نخشاه هو بروز و تصاعد ثقافة و وتيرة العنف داخل المخيمات و حينها سيكون للبلطجية الدور الأبرز للدفاع عن حامي مصالحهم، بناءا على الحسابات " القبليوـ مصلحجية !!" التي ذكرناها سابقا .
في الختام ومن هذا المقام فإننا كشباب و مثقفين مؤيدين للمطالب الشرعية في الإصلاح و التغيير نحمل السلطة الصحراوية كامل المسؤولية الجسدية و المعنوية لهؤلاء الشباب العزل و الأبرياء .. ونقول للجميع عليهم أن يتذكر مقولة علي الوردي : إن كل حركة اجتماعية تعتبر في أول أمرها زندقة أو تفرقة أو جنوناً. فإذا نجح أصحابها في دعوتهم أصبحوا بعد ذلك أبطالاً خالدين ... ونختم بقول الشاعر عمارة اليماني، وهو الفقيه أبو محمد عمارة الملقب بنجم الدين :  ولا تحتقِرْ كَيْد الضَعيف فَرُبَّما ... تموتُ الأَفاعي من سُمومِ العقارب.